عبد الملك الجويني

350

نهاية المطلب في دراية المذهب

جَرياً على قياس الخصومات ؛ فإن من ادّعى شيئاً على إنسان ، فأنكره ، ثم انتهت الخصومةُ إلى ردَّ اليمين إلى المدّعي . فإنه لا يزيد على إثبات دعواه . ولكن كان شيخُنا يقول : نجمع في يمين واحدة بين النفي والإثبات . وأما أصحاب الطريقة الأخرى ، فإنهم بنَوْا ما رتَّبوه على أن النفي والإثباتَ لا بدّ منهما ، ولا يتتم الأمر دونهما ، وزعموا أنا وإن قلنا بتردد اليمين ، فلسنا نعدد الخصومةَ ، ولكن نقول : التَنازعُ في قضيّةٍ واحدة مشتملةٍ على النفي والإثبات ، فاليمين متعددةٌ ، والخصومة [ متّحدةٌ ] ( 1 ) ، وقالوا على حسب ذلك : إذا حلفا على النفي ، ثم عرضنا يمين الإثبات على البادىء ، فحلف ، فعرضناها على الثاني ، فنكل ، فنكوله عن يمين الإثبات آخراً رجوعٌ منه عن اليمين على النفي أولاً ؛ فإن الخصومة متَّحدة ، فيقع القضاءُ للحالف على الإثبات ، بعد بطلان يمين الثاني في النفي والإثبات . ومساقُ كلامهم أن تعدد اليمين كاتحاد اليمين على القول الأول ، فلو نكل أحدُهما عن الإثبات ، وحلف على النفي ، كان نكولُه عن معنى الإثبات نكولاً عن معنى النفي . كذلك القولُ في النفي والإثبات المدرجين في اليمينين . وهذا الذي ذكرناه لهؤلاء تكلّفٌ ؛ فإن اليمينين مشعرتان بمقصودين . فهؤلاء المفرعون على قول اليمينين طَمِعُوا أن يستصحبوا سرَّ قولِ اتّحادِ [ اليمين ] ( 2 ) ، فإن ذلك القولَ في اتحاد اليمين مأخوذ من اتحاد الخصومة . فإذا فرضنا غرضينِ ويمينين ونكولاً عن النفي ، ويميناً ممحَّضَةً للإثبات ، فلا يستدُّ عليه إلا طريقةُ شيخنا . وقد نجز القولان وتفريعهما ، واختلافُ الطرق في مأخذ الكلام . 3272 - فإن قيل : ذكرتم التفصيل فيه إذا تحالفا ، وبينتم حلف أحدهما ونكولَ الثاني ، فبيّنوا الحكم فيه إذا ارتفعا إلى مجلس القاضِي وتداعَيا على التناقض ، وآل الأمرُ إلى اليمين ، فنكلا جميعاً . كيف السبيل فيه ؟ قلنا : لم يتعرض أئمة المذهب في

--> ( 1 ) في الأصل : متجددة . ( 2 ) في الأصل : اليمينين .